يبدو أن الجدل الدائر اليوم في مدينة أزويرات لم يعد متعلقًا فقط بالخلافات السياسية المعتادة، وإنما أصبح يطرح سؤالًا أعمق: هل أصبحت ممارسة السياسة في المدينة حكرًا على مجموعة من الفاعلين الذين اعتادوا احتكار المشهد لسنوات، أم أن من حق كل موريتاني أن يمارس العمل السياسي فيها ما دام يؤمن بخدمة سكانها ويحترم خياراتهم؟أزويرات اليوم ليست هي أزويرات الأمس. المدينة التي نشأت وتوسعت حول الثروة المعدنية أصبحت واحدة من أكثر المدن الموريتانية جذبًا للسكان والباحثين عن فرص العمل، ومع توسع النشاط الاقتصادي وارتفاع الكثافة السكانية، أصبحت المدينة فضاءً يضم مختلف مكونات وأطياف المجتمع الموريتاني.ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التنوع الاجتماعي على المشهد السياسي.لقد اعتاد بعض الفاعلين السياسيين على حضور قوي ومؤثر في المدينة، وعلى إدارة جزء كبير من المشهد السياسي والمناصب المرتبطة به. لكن دخول فاعلين جدد إلى الساحة، وظهور منافسين يمتلكون حضورًا سياسيًا وإعلاميًا، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على نفوذ أحد، وإنما باعتباره نتيجة طبيعية لتطور المجتمع وتعدد طموحاته.والسؤال الحقيقي هنا ليس: من هو القديم ومن هو الجديد؟ ولا: من هو ابن المدينة ومن هو الوافد؟السؤال الأهم هو: من يستطيع أن يمثل سكان أزويرات، وينقل انشغالاتهم، ويدافع عن مصالحهم، ويخدم المدينة بصدق؟فالسياسة ليست ملكية خاصة، والانتماء السياسي لا يُورث، والمناصب ليست امتيازًا دائمًا لأشخاص أو مجموعات. ومن حق أي مواطن موريتاني أن ينشط سياسيًا في المكان الذي اختاره، خصوصًا عندما تكون له جذور أو روابط بالولاية، والأهم من ذلك أن تكون له رؤية لخدمة سكانها.أما الضجيج الإعلامي المصاحب لدخول فاعل سياسي جديد، فقد يكون مزعجًا للبعض، لكنه لا يمثل في حد ذاته خطرًا على المدينة. فالسياسة بطبيعتها تقوم على المنافسة، والمنافسة تفرض الحضور، والحضور يفرض النقاش، والنقاش يتيح للناخب أن يميز بين من يملك خطابًا حقيقيًا ومن يملك مجرد شعارات.والأهم من ذلك كله أن الصراع السياسي داخل حزب الإنصاف لا ينبغي أن يتحول إلى معركة حول الأصل والمنبت، أو إلى محاولة لتصنيف الناس بين “أبناء المدينة” و”الوافدين”.إذا كان الجميع يتحرك من داخل الحزب نفسه، وتحت مظلته، فلماذا لا يتسع الحزب للجميع؟ ولماذا لا تكون المنافسة على أساس الكفاءة والحضور والقدرة على خدمة السكان بدل تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع هويات وانتماءات؟إن أزويرات تحتاج اليوم إلى تعدد الفاعلين السياسيين، لا إلى إقصائهم. تحتاج إلى من يطرح مشاكل التعليم والصحة والماء والكهرباء والسكن والتشغيل والنقل، ومن يضع قضايا العمال والمتقاعدين والشباب والنساء في صلب اهتمامه.السكان لا يبحثون عن سياسي يحمل لقب “قديم” أو “جديد”، ولا يهمهم كثيرًا من أين جاء السياسي بقدر ما يهمهم إلى أين يريد أن يأخذ المدينة.ومن هنا، فإن دخول وجوه جديدة إلى المشهد السياسي ينبغي أن يُقابل بالعقلانية والانفتاح، لا بالتخوين والإقصاء. فالمدينة تتغير، وسكانها يتغيرون، وموازين القوة الاجتماعية والسياسية تتغير معها.أزويرات ليست ملكًا سياسيًا لأحد، والحزب ليس ناديًا مغلقًا، والسياسة ليست حكرًا على جيل أو مجموعة.في النهاية، سيبقى الحكم الحقيقي للسكان: من يخدمهم، ومن يسمعهم، ومن يحمل قضاياهم، ومن يثبت حضوره عندما تنتهي الضوضاء الإعلامية وتبدأ مرحلة العمل.فالمنافسة السياسية الصحية لا تهدم المدن، وإنما تمنح سكانها خيارات أكثر. وأزويرات اليوم تحتاج إلى الخيارات، لا إلى الاحتكار.






